عوض سلام يكتب عن: عوالم معكوسة (3): أنا أَتذكّر، إذن أنا موجود.. ماذا لو فقدنا الذاكرة؟

 خيط الوجود

ما الذي يجعلك "أنت"؟

 هل هو اسمك؟

جسدك؟

عوالم معكوسة (3): أنا أَتذكّر، إذن أنا موجود.. ماذا لو فقدنا الذاكرة؟

 أم شيء أعمق من ذلك؟ يرى الفيلسوف جون لوك أن هويتنا الشخصية ليست سوى استمرارية للوعي عبر الزمن، وهذه الاستمرارية لا تتحقق إلا من خلال الذاكرة. الذاكرة هي ذلك الخيط السحري الذي يربط "أنا" اليوم بـ"أنا" الأمس والطفل الذي كنته قبل سنوات.

  • هي التي تمنحنا قصة، أصلاً، وهوية.
  • لكن، ماذا لو انقطع هذا الخيط؟
  • ماذا لو استيقظنا كل صباح في عالم جديد تمامًا، بلا أي معرفة بماضينا، وبلا أي قدرة على بناء مستقبل؟ 

الرؤية المصرية- بقلم: عوض سلام//

فقدان الذات: من نحن بدون ماضينا؟ إن أبسط تعريف للذات هو أنها مجموع تجاربنا. أفراحنا، أحزاننا، نجاحاتنا، إخفاقاتنا، علاقاتنا، كلها تُنسج معًا لتشكل نسيج هويتنا الفريد. بدون ذاكرة، يتبخر هذا النسيج.

ستنظر في المرآة لترى وجهًا غريبًا، وستلتقي بأحبائك وكأنهم غرباء تمامًا. كل لحظة ستكون هي اللحظة الأولى والأخيرة، معزولة ومنفصلة عما قبلها وما بعدها. 

في علم النفس العصبي، تُظهر حالات فقدان الذاكرة الشامل (Amnesia) كيف أن المرضى لا يفقدون معلوماتهم الشخصية فحسب، بل يفقدون إحساسهم بالذات.

قد يضطرون إلى "اختراع" هوية جديدة بناءً على ما يخبرهم به الآخرون، لكنها تظل هوية هشة ومستعارة، تفتقر إلى العمق والجذور التي تمنحها الذاكرة الحقيقية.

إن عبارة "أنا لا أعرف من أنا" تتحول من مجاز فلسفي إلى حقيقة مرعبة.

عالم بلا تعلم أو تراكم

الذاكرة ليست مجرد أرشيف للماضي، بل هي الأداة التي تمكننا من التعلم والنمو. نحن نتعلم من أخطائنا لأننا نتذكرها، ونتقن المهارات لأننا نتذكر الخطوات التي اتبعناها. في عالم بلا ذاكرة، يصبح التقدم مستحيلاً على المستويين الفردي والجماعي.

تخيل أنك تحاول تعلم لغة جديدة، لكنك في كل يوم تنسى كل الكلمات التي تعلمتها في اليوم السابق. أو تخيل عالِمًا يحاول حل معادلة معقدة، لكنه في كل لحظة ينسى الخطوة التي قام بها للتو.

 ستكون البشرية عالقة في حلقة مفرغة من التجربة والخطأ البدائية، تكتشف النار كل يوم ثم تنساها في اليوم التالي. ستنهار الحضارة بأكملها، لأن الحضارة في جوهرها هي "ذاكرة جماعية" متراكمة من المعرفة والخبرة.

انهيار العلاقات الإنسانية

الحب، الصداقة، الثقة، كلها تُبنى على أساس من التجارب المشتركة والذكريات المتبادلة. نحن نحب شخصًا ما ليس فقط لما هو عليه الآن، بل لكل اللحظات التي شاركناها معه. الثقة تُبنى لأننا نتذكر مواقف أثبت فيها شخص ما أنه جدير بها.

في عالم بلا ذاكرة، ستكون كل العلاقات سطحية وعابرة. كيف يمكنك أن تحب شخصًا لا تتذكر أنك قابلته من قبل؟ كيف يمكنك أن تثق في شخص تنسى وعوده وأفعاله بمجرد أن يدير لك ظهره؟ ستتحول الروابط الإنسانية إلى مجرد تفاعلات لحظية خالية من أي عمق أو معنى، وسيصبح كل إنسان جزيرة معزولة تمامًا.

الذاكرة كفعل للوجود

إن التفكير في عالم بلا ذاكرة يقودنا إلى استنتاج مشابه لما توصلنا إليه في تأملاتنا السابقة: إن البديهيات التي نعيشها ليست مجرد ظروف، بل هي أفعال تأسيسية لوجودنا.

  •  الذاكرة ليست مجرد وظيفة دماغية لتخزين المعلومات، بل هي فعل مستمر من "خلق الذات".
  • أن نتذكر هو أن نؤكد وجودنا واستمراريتنا في هذا العالم.
  • ربما تكون الذاكرة، بكل ما تحمله من ألم أحيانًا، هي أثمن ما نملك، لأنها الدليل الوحيد على أننا عشنا حقًا.