- ماذا لو تحقق هذا الحلم الأكبر؟
- ماذا لو استيقظنا في عالمٍ لم يعد فيه الموت حتميًا؟
- هل ستكون تلك هي الجنة الموعودة، أم جحيم من نوع آخر؟
بقلم: عوض سلام
قيمة الحياة في ظلال الفناء
يرى العديد من الفلاسفة الوجوديين، مثل ألبير كامو ومارتن هايدجر، أن الموت ليس مجرد حدث بيولوجي ينهي الحياة، بل هو الشرط الأساسي الذي يمنحها معناها وقيمتها.
إن إدراكنا بأن وقتنا محدود هو ما يدفعنا إلى استغلاله. الشجاعة، التضحية، الحب العميق، الإنجاز، كلها تكتسب ثقلها وقيمتها من حقيقة أنها تحدث في زمن قصير وهش.
تخيل عالمًا بلا موت. هل كنت ستنهض من سريرك اليوم بنفس الحماس؟ أم كنت ستؤجل كل شيء إلى "الغد الأبدي"؟ في عالم الخلود، قد تفقد اللحظة الحاضرة قيمتها الملحة.
سيصبح الشغف مجرد نزوة عابرة، والحب التزامًا لا نهائيًا قد يتحول إلى سجن.
كما يقول الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس في قصته "الخالدون"، فإن الإنسان الخالد يصبح في النهاية متفرجًا لا مباليًا، فقد رأى كل شيء وجرّب كل شيء حتى لم يعد هناك ما يدهشه أو يحفزه.
الخلود: عبء الملل وفقدان الهوية
إن أحد أكبر التحديات في حياة أبدية هو الملل الوجودي. عندما يكون لديك وقت لا نهائي، فإن كل تجربة، مهما كانت مثيرة في البداية، ستفقد بريقها مع التكرار. ستزور كل مدينة، تقرأ كل كتاب، تمارس كل مهنة، وفي النهاية، ستجد نفسك في مواجهة فراغ لا نهائي.
والأخطر من ذلك هو تأثير الخلود على الهوية. هويتنا تتشكل من خلال ذاكرتنا، ولكن الذاكرة البشرية لها سعة محدودة. بعد ألف عام، أو عشرة آلاف عام، هل ستظل تتذكر طفولتك، أو حبك الأول، أو حتى من كنت في قرنك الأول؟
على الأرجح لا. ستتلاشى الذكريات القديمة لتحل محلها ذكريات جديدة، وفي كل مرة، ستفقد جزءًا من ذاتك القديمة. قد تعيش ألف حياة مختلفة في جسد واحد، لكنك لن تكون "أنت" الذي تعرفه الآن.
ستتحول إلى مجرد وعاء متغير للخبرات، بلا جذور أو هوية ثابتة.
المجتمع الخالد: مجتمع الجمود على المستوى الجماعي، قد يكون عالم الخلود هو عالم الجمود. التقدم البشري يعتمد بشكل كبير على تعاقب الأجيال. كل جيل جديد يأتي بأفكار جديدة، يتحدى القديم، ويصحح أخطاء من سبقوه.
الموت، بهذا المعنى، هو آلية الطبيعة للتجديد ومنع الأفكار القديمة والمؤسسات البالية من الهيمنة إلى الأبد.
في مجتمع لا يموت أفراده، قد تترسخ السلطة في أيدي نفس الأشخاص لقرون أو آلاف السنين، مما يقتل أي فرصة للتغيير أو التطور. ستتجمد الأعراف الاجتماعية، ويتوقف التقدم العلمي عند نقطة معينة، ويصبح العالم متحفًا كبيرًا للماضي.
خاتمة: نعمة النهاية
إن التفكير في عالم بلا موت يكشف لنا عن حقيقة عميقة: ربما لم يكن الموت هو المشكلة، بل كان دائمًا جزءًا من الحل. إنه الإطار الذي يمنح الصورة قيمتها، والصمت الذي يعطي للموسيقى معناها.
حقيقة أن حياتنا ستنتهي هي ما يجعلها ثمينة، وما يدفعنا لنعيشها بشغف ومعنى. ربما تكون أعظم نعمة مُنحت لنا ليست الحياة نفسها، بل حقيقة أنها لن تدوم إلى الأبد.