عوض سلام يكتب الجزء الأخير من عوالم معكوسة : حكمة بلا ورثة.. ماذا لو بدأ كل جيل من الصفر؟

على أكتاف العمالقة

قال إسحاق نيوتن عبارته الشهيرة: "إذا رأيت أبعد من غيري، فذلك لأني أقف على أكتاف العمالقة".

هذه المقولة لا تلخص مسيرة العلم فحسب، بل تلخص جوهر الحضارة الإنسانية بأكملها.

عوض سلام يكتب الجزء الأخير من عوالم معكوسة : حكمة بلا ورثة.. ماذا لو بدأ كل جيل من الصفر؟

كل ما نحن عليه اليوم، من أبسط أدواتنا إلى أعقد نظرياتنا الفلسفية، هو نتاج تراكم هائل من المعرفة والخبرة التي ورثناها عن أجيال سبقتنا.

نحن لا نبدأ من الصفر.

  • لكن، ماذا لو فعلنا؟
  • ماذا لو أن كل جيل استيقظ على عالم جديد، دون أي علم أو إرث من الجيل الذي سبقه؟

الرؤية المصرية- بقلم: عوض سلام//

تكرار أبدي: اكتشاف العجلة كل يوم 

إن أول وأوضح نتيجة لعالم كهذا ستكون نهاية "التقدم".

التقدم، سواء كان علميًا، تكنولوجيًا، أو اجتماعيًا، يعتمد بشكل أساسي على البناء فوق ما تم إنجازه بالفعل.

في عالم منقطع الأجيال، سيقضي كل جيل حياته في إعادة اكتشاف المبادئ الأساسية للبقاء: كيفية إشعال النار، كيفية صناعة الأدوات الحجرية، كيفية التمييز بين النباتات السامة والآمنة.

  • ستكون البشرية عالقة في العصر الحجري إلى الأبد.
  • لن يكون هناك لغة مكتوبة، لأن فعل الكتابة نفسه هو أداة لنقل المعرفة عبر الزمن. 

لن تكون هناك مدن أو دول، لأن بناءها يتطلب معرفة معمارية وزراعية وقانونية متوارثة.

ستتحول قصة البشرية من ملحمة صعود وتطور إلى حلقة مفرغة ومأساوية من التكرار البدائي.

فلسفة التاريخ: ذاكرة الإنسانية المفقودة

يرى فلاسفة التاريخ، من ابن خلدون إلى هيغل، أن للتاريخ غاية ومنطقًا.

إنه ليس مجرد سرد لأحداث الماضي، بل هو الذاكرة الجماعية للبشرية، السجل الذي نتعلم منه دروسنا الكبرى.

من خلال دراسة صعود وسقوط الإمبراطوريات، وأسباب الحروب، ونجاح الثورات، نكتسب حكمة جماعية تساعدنا على تجنب تكرار نفس الأخطاء الكارثية.

  • في عالم بلا تواصل بين الأجيال، ستُفقد هذه الذاكرة تمامًا.
  • كل جيل سيرتكب نفس الحماقات التي ارتكبها من سبقه، وسيخوض نفس الحروب لنفس الأسباب التافهة، وسيعاني من نفس الأوبئة التي كان يمكن تجنبها بمعرفة بسيطة.

سيصبح التاريخ بلا معنى، مجرد ومضات من الوجود تولد وتموت في فراغ، دون أن تترك أثرًا أو عبرة.

غياب الهوية والثقافة

كما أن الذاكرة الفردية تشكل هوية الفرد، فإن الذاكرة الجماعية (التاريخ، التراث، الفن، الأساطير) تشكل هوية الشعوب والثقافات.

نحن نعرّف أنفسنا من خلال القصص التي نرويها عن ماضينا، والأبطال الذين نجلّهم، والقيم التي ورثناها.

اللغة التي نتكلم بها، والملابس التي نرتديها، والطعام الذي نأكله، كلها جزء من إرث ثقافي غني.

  • في عالم الأجيال المعزولة، ستختفي كل هذه المظاهر.
  • لن يكون هناك "ثقافة" بالمعنى الذي نعرفه، بل مجرد استجابات غريزية للبيئة المحيطة.
  • ستفقد الحياة عمقها الرمزي، وستصبح مجرد صراع من أجل البقاء البيولوجي.

ستنهار الروابط الاجتماعية التي تتجاوز الأسرة المباشرة، لأن هذه الروابط غالبًا ما تقوم على أساس من الهوية الثقافية المشتركة.

خاتمة السلسلة: قيمة الاتصال

في نهاية رحلتنا عبر هذه العوالم المعكوسة، نصل إلى حقيقة جامعة.

سواء كنا نتحدث عن التاريخ، أو الموت، أو الذاكرة، أو التراث، فإن ما يمنح وجودنا معناه وقيمته هو "الاتصال". 

الاتصال بين الماضي والحاضر، بين الفرد والمجتمع، بين جيل وجيل.

  • إن هذه البديهيات التي تأملنا في غيابها ليست سوى تجليات مختلفة لهذا الاتصال الجوهري. 
  • إن التفكير في عالم مقطوع الأوصال يجعلنا ندرك أننا لسنا مجرد كائنات فردية تعيش وتموت، بل نحن حلقات في سلسلة عظيمة ومستمرة.

نحن ورثة الماضي، وصناع الحاضر، وأمانة للمستقبل. 

ولعل أعظم حكمة يمكن أن نخرج بها هي أن وجودنا لا يكتمل إلا بالتواصل مع من سبقونا، وبترك إرث ذي معنى لمن سيأتون بعدنا.