#محور_الضرورة #الرياض_والقاهرة #الشرق_الأوسط_الجديد #يمن_حضرموت
يشهد الشرق الأوسط تحولاً استراتيجياً عميقاً، لا تقوده الصراعات العابرة، بل ترسم ملامحه العواصم التاريخية الكبرى التي قررت استعادة زمام المبادرة.
في قلب هذا التحول، لم تعد الرياض وحدها، بل إن حركتها الحاسمة الأخيرة تأتي لتلتقي مع مسار طويل من الحكمة والتحركات المدروسة التي تقودها القاهرة، والتي كانت منذ سنوات في خط المواجهة الأول ضد مخططات التفتيت.
الرؤية المصرية: بقلم: عوض سلام
بينما كانت السعودية تستيقظ على الخطر المباشر الذي يمثله المخطط الإماراتي-الإسرائيلي للهيمنة، كانت مصر قد خاضت بالفعل معاركها لإحباط تجليات هذا المخطط على أرضها وفي جوارها.
فإسقاطها لمشروع "الربيع العربي" وإزاحة جماعة الإخوان المسلمين لم يكن مجرد شأن داخلي، بل كان ضربة استباقية لمشروع إقليمي أكبر كان يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح قوى أخرى.
إن ما يحدث اليوم في ليبيا والسودان، ومحاولات السيطرة على البحر الأحمر عبر بوابة الصومال واليمن، ومخطط تهجير الفلسطينيين من غزة بعد "مخطط" 7 أكتوبر 2023، ليست سوى فصول جديدة في نفس المسرحية التي أدركت القاهرة أبعادها منذ زمن.
لذلك، لا يمكن وضع مصر في خانة "المدرك المحتمل"، بل هي "العارف ببواطن الأمور" الذي يتحرك بخطوات هادئة ومدروسة، نابعة من خصوصية موقعها وتاريخها الطويل في إفشال محاولات الحصار والتفكيك.

الرياض تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط
في تحول استراتيجي سريع ومؤثر، شهدت نهاية 2025 تصعيداً سعودياً حاسماً في اليمن أجبر الإمارات على سحب دعمها العسكري واللوجستي للمجلس الانتقالي الجنوبي، بعد ضربات جوية سعودية استهدفت شحنة أسلحة مشتبه بها في ميناء المكلا يوم 30 ديسمبر، مما أدى إلى انهيار سريع لمواقع متقدمة للانفصاليين في حضرموت والمهرة، وفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة بأكملها.
القاهرة، التي راقبت منذ سنوات طويلة محاولات التفتيت المنهجية للدول العربية الكبرى، وجدت في هذا التحرك السعودي صدى طبيعياً لجهودها الاستباقية.
من إفشال مشروع "الربيع العربي" وإزاحة جماعة الإخوان المسلمين عام 2013، إلى التصدي لتداعيات الحرب في السودان وليبيا، مروراً بمواجهة مخاطر تهجير سكان غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، اعتمدت مصر سياسة هادئة لكن حازمة تعتمد على الدبلوماسية المعقدة والحفاظ على السيادة الوطنية.
هذه الخبرة جعلتها تدرك مبكراً أن التهديد لا يقتصر على إيران أو الجماعات المتطرفة، بل يشمل خططاً أكثر دهاءً تهدف إلى تقسيم الدول الكبرى والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
الخطر الأكبر
بحسب تحليل ديفيد هيرست، رئيس تحرير "ميدل إيست آي"، فإن الاستراتيجية الإماراتية-الإسرائيلية ترتكز على تفتيت الدول العربية الرئيسية، السيطرة على مضيق باب المندب وممرات البحر الأحمر، وزرع قواعد عسكرية تضمن هيمنة مالية وعسكرية طويلة الأمد.
في اليمن، تجلت هذه السياسة بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي لإقامة كيان انفصالي يسيطر على حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان مساحة شاسعة وحدوداً حساسة مع السعودية.
عندما تقدمت قوات المجلس نحو المكلا في ديسمبر 2025، أصبح الخطر واضحاً للرياض: لم يعد الأمر يتعلق بصراع داخلي يمني، بل بمحاولة تطويق المملكة نفسها.
رد الفعل السعودي جاء سريعاً وبلا تردد، فالضربات الجوية على الميناء، التي وصفتها الرياض بأنها استهدفت شحنة أسلحة إماراتية، أعقبتها مطالبات بانسحاب فوري، وانتهت بسحب الإمارات لدعمها العسكري، بما في ذلك الانسحاب من مواقع استراتيجية مثل سقطرى.
هذا الانهيار السريع لم يكن مجرد خلاف عابر بين حليفين سابقين في التحالف ضد الحوثيين، بل نقطة تحول جذرية كشفت عن صدع عميق في العلاقات الخليجية، وأعادت رسم خريطة النفوذ في المنطقة.

في هذا السياق، يبرز تكامل الأدوار بين الرياض والقاهرة كعامل حاسم.
السعودية استخدمت قوتها المالية والعسكرية المباشرة لقطع الطريق على التوسع الانفصالي، بينما واصلت مصر جهودها في تأمين حدودها الغربية مع ليبيا، والجنوبية مع السودان، والشرقية عبر رفض أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير.
التنسيق غير المعلن بين البلدين، الذي شمل ضغوطاً مشتركة على أطراف مثل خليفة حفتر في ليبيا لوقف إمدادات لقوات الدعم السريع في السودان، يعكس إدراكاً مشتركاً بأن التهديد وجودي ويستهدف الجميع.
نقطة التقاء المسارات
النتيجة حتى الآن: انهيار خطط عقد من الزمن في أسابيع قليلة، وظهور تحالف عملي بين قوتين عربيتين كبيرتين يرسل رسالة واضحة إلى من سعى لاستباحة المنطقة: زمن الفوضى المُدارة قد انتهى، وبدأ عصر استعادة السيادة والتوازن الاستراتيجي.
فهذا التحرك السعودي الحاسم لم يأتِ من فراغ، بل جاء ليكمل دائرة المواجهة التي بدأتها مصر، فبينما تحركت الرياض بقوة السلاح والقرار المباشر، كانت القاهرة تعمل بهدوء على تأمين حدودها الغربية والجنوبية، وتدير دبلوماسية معقدة في ملف سد النهضة، وتتصدى لأخطر مشروع يواجهها وهو تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير سكان غزة.
تحول لا رجعة فيه
هذا الانهيار السريع لم يكن مجرد خلاف عابر، بل هو تحول جذري في العلاقات بين الحليفين السابقين.
لقد أدركت السعودية أن الخطط الإماراتية والإسرائيلية تشكل تهديداً مباشراً لسيادتها وأمنها القومي، وهذا خط أحمر لأي قيادة سعودية.
لم يعد من الممكن إصلاح هذا الصدع، فالشيطان الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام السعودية المقربة من دوائر الحكم لم يكن سوى محمد بن زايد.
تكمن أهمية هذه الصحوة السعودية في أنها تفتح الباب أمام خروج المنطقة من دوامة التدخلات الأمريكية الفاشلة والاحتلال الإسرائيلي الدائم.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان تملكان القوة العسكرية لفرض إرادتهما، لكنهما فقدتا القدرة على التعامل مع عواقب أفعالهما، تماماً كما حدث بعد غزو العراق.
لم تعد السعودية بحاجة إلى مواجهة إسرائيل بشكل متماثل، بل يمكنها الآن أن تجعل الحياة صعبة للغاية على "إسبرطتَي المنطقة الصغيرتين"، الإمارات وإسرائيل، اللتين تزرعان بذور الحرب الأهلية والصراع في كل مكان. لقد حان الوقت لأن يقف زعيم عربي في وجههما ليقول "كفى". ويبدو أن هذا الدور قد اختارته الرياض لنفسها.
تكامل الأدوار لمواجهة الخطر المشترك
إن ما نشهده ليس "صحوة سعودية" منفردة، بل هو "تكامل استراتيجي للأدوار" بين قوتين محوريتين.
الرياض بحسمها المالي والعسكري الجديد، والقاهرة بحكمتها التاريخية وخبرتها العميقة في تفكيك الأزمات.
لقد أدرك العملاقان أن الخطر الذي تمثله خطط إسرائيل والإمارات ليس موجهاً ضد أحدهما فقط، بل هو تهديد وجودي لكليهما ولمستقبل المنطقة بأسرها.
قد حان الوقت الذي تلتقي فيه حكمة القاهرة مع حسم الرياض لتشكيل محور ضرورة قادر على فرض واقع جديد، وإعادة تعريف قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وإرسال رسالة واضحة لمن يسعون لزرع الفوضى: إن زمن استباحة المنطقة قد ولى.