الرؤية المصرية- بقلم: عوض سلام// في سجلات التاريخ، هناك لحظات فارقة لا تقاس بساعاتها، بل بما تحطمه من مسلمات وما تكشفه من حقائق مرة.
فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026 كان إحدى هذه اللحظات. عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية و"زئير الأسد" الإسرائيلية لم تكن مجرد عملية عسكرية خاطفة، بل كانت إعلانًا صريحًا بوفاة النظام الإقليمي القديم، وتدشينًا عنيفًا لعصر جديد تُكتب قواعده بالصواريخ والطائرات المسيرة.
لقد دقت ساعة الصفر لحرب وجودية متعددة الأوجه، حرب سرعان ما مزقت قناع "منع الانتشار النووي" لتكشف عن وجهها الحقيقي: صراع جيوسياسي لإعادة رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط.
- لماذا الآن؟ ولماذا لم يكن مقتل المرشد كافيًا؟
السؤال الذي يتردد في عواصم العالم ليس "لماذا بدأت الحرب؟"، بل "لماذا الآن؟".
الجواب الذي تسوقه واشنطن وتل أبيب بسيط ومباشر: لقد وصلت إيران إلى "نقطة اللاعودة" النووية.

لكن استمرار الحرب وتوسعها بعد تحقيق هدفها الرمزي الأكبر - مقتل المرشد الأعلى - يثبت أن الهدف لم يكن يومًا شخصًا، بل مشروعًا.
فالقصف المستمر لم يستهدف فقط المنشآت النووية، بل طال القدرات الصاروخية ومراكز قيادة الحرس الثوري.
إنها حرب استئصال تهدف إلى تفكيك قوة إقليمية صاعدة، وليس مجرد نزع لسلاح محتمل.
- الفيل في الغرفة: النفاق النووي الصارخ وشريعة القوة
وهنا، نصل إلى قلب النفاق الذي يكتنف هذا الصراع، إلى "الفيل الضخم الجالس في الغرفة" والذي يتظاهر الجميع بعدم رؤيته.
كيف يمكن للعالم أن يقبل بشن حرب مدمرة على إيران بسبب "سعيها المحتمل" لامتلاك سلاح نووي، بينما يعج العالم بقوى نووية "مقبولة" لكل منها قصة تكشف ازدواجية المعايير؟
اسرائيل: تمتلك مئات الرؤوس النووية خارج أي إطار قانوني، في ظل صمت دولي مريب وحماية أمريكية مطلقة.
- سلاحها "ضمانة أمنية"، بينما سعي إيران "تهديد عالمي".
روسيا والصين: عضوان رسميان في النادي النووي، لكنهما يمثلان الخصم الاستراتيجي للغرب.
- تُقبل ترسانتهما كأمر واقع لا يمكن المساس به، وتُستخدم كدليل على ضرورة امتلاك الغرب لقوة مضادة.
الهند وباكستان: طورتا أسلحتهما في تحدٍ للعالم، وعوقبتا، ثم تم احتواؤهما وقبولهما كقوى نووية،
- ،، لأن المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى اقتضت ذلك.
كوريا الشمالية: الدولة "المارقة" التي نجحت في امتلاك السلاح، فأصبحت محصنة ضد أي غزو.
- لقد أثبتت بطريقة خطيرة أن امتلاك القنبلة هو الضمانة الوحيدة للبقاء في وجه القوة الأمريكية.
هذا المشهد يثبت أن المبدأ الحاكم ليس "منع الانتشار"، بل "منع الخصوم من امتلاك القوة".
إنها شريعة الغاب الدولية حيث القوة هي التي تحدد الشرعية.
- لماذا الخليج وليس سوريا؟ منطق الألم الاستراتيجي
قد يتساءل البعض: لماذا توجه إيران ضرباتها الأقوى إلى دول الخليج، بينما القوات الأمريكية والإسرائيلية أقرب في سوريا؟
الجواب يكمن في منطق "الألم الاستراتيجي"، فالوجود الأمريكي في سوريا تكتيكي ومحدود، وضرب قواعده هناك يمثل إزعاجًا لا يشل الحركة.
أما القواعد في الخليج، فهي "عقل وقلب" العمليات العسكرية الأمريكية، ومراكز قيادة استراتيجية، ومنصات انطلاق الهجمات الكبرى.
الأهم من ذلك، أن استهداف الخليج يضرب عصب الاقتصاد العالمي، فيفجر أزمة طاقة عالمية تضغط على واشنطن من كل حدب وصوب.
إيران لا تضرب الهدف الأقرب، بل تضرب الهدف الأكثر إيلامًا للخصم على المسرح العالمي.
- المأزق العربي: بين مطرقة إيران وسندان أمريكا
في خضم هذه الفوضى، يقف العالم العربي الرسمي في حيرة ممزقة.
فمن ناحية، هناك عداء تاريخي مع "نظام الملالي" ومشروعه التوسعي الذي يهدد استقرار العديد من العواصم العربية.
ومن ناحية أخرى، هناك رفض غريزي للهيمنة الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية، وشعور بالمرارة من حرب أخرى تُشن على أرض مسلمة بذريعة غربية.
هذا المأزق يجعل الموقف الرسمي متأرجحًا: إدانة خجولة للهجمات الإيرانية على الخليج، وصمت مطبق تجاه الأسباب التي أدت إلى الحرب، وعجز عن بلورة موقف موحد.
أما على المستوى الشعبي، فالانقسام أعمق وأكثر حدة.
الشارع العربي نفسه منقسم على ذاته. فريق يرى في إيران رأس حربة "المقاومة" ضد الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، ويحتفي بضرباتها باعتبارها ردًا للكرامة المهدورة، متغاضيًا عن سياساتها الطائفية والتوسعية.
وفريق آخر، خاصة في الدول التي عانت من التدخل الإيراني، يرى في نظام طهران خطرًا وجوديًا لا يقل عن خطر إسرائيل، ويأمل في أن تنجح هذه الحرب في كسر شوكته.
هذا الشرخ بين الشعوب وحكوماتها، وبين الشعوب وبعضها البعض، يضيف طبقة أخرى من المأساة، ويحول الصراع العسكري إلى صراع هويات وانتماءات يهدد بتمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي في المنطقة.
- مصر على خط النار.. وسيناريوهات التورط
وبينما تحترق المنطقة، تقف مصر على خط التماس، مدركة أن النار تقترب من ثوبها.
لا توجد نية مباشرة لجرها إلى الحرب، لكن الخطر يكمن في التداعيات التي قد تفرض نفسها:
- تهديد قناة السويس: أي محاولة لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر أو مدخل القناة ستُعتبر مساسًا بالأمن القومي المصري، وستستدعي ردًا عسكريًا حاسمًا.
- التهجير نحو سيناء: أي عملية عسكرية إسرائيلية تؤدي إلى نزوح جماعي للفلسطينيين باتجاه الحدود المصرية هي "خط أحمر" مطلق، قد يجبر القاهرة على تدخل مباشر لحماية سيادتها وحدودها.
إن قرار الولايات المتحدة بإجلاء رعاياها هو الإعلان الرسمي بأن فصلاً جديدًا وأكثر وحشية على وشك أن يبدأ.
إنه الهدوء الذي يسبق عاصفة أشد قسوة.
لقد كشفت هذه الحرب عن حقيقة العالم الذي نعيش فيه: عالم لا تحكمه المبادئ بل القوة، ولا تردعه القوانين بل توازنات الرعب، عالم أصبح فيه السعي للأمن هو الطريق الأقصر نحو الحرب الشاملة.