وجاء هذا الاعتراف في إطار قضية تهريب أسلحة كُشفت الأسبوع الماضي في تل أبيب، حيث قُدم تقرير أمني يفيد بتغيير جذري في حجم ونمط العمليات عبر الحدود الجنوبية. وتُظهر المعطيات الرسمية أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً حاداً في عدد محاولات التهريب، مقابل انخفاض ملحوظ في قدرة الأجهزة الأمنية على إحباطها قبل وصولها للأراضي الإسرائيلية.
أرقام تكشف تصاعداً مقلقاً
وفقاً للتقرير الذي اطلعت عليه "i24NEWS"، أفادت لي عياش، رئيسة قسم الجريمة، بأن الجيش الإسرائيلي يرصد يومياً عشرات الطائرات المسيرة التي تعبر إلى إسرائيل قادمة من الأردن ومصر، مشيرة إلى أن معظم هذه المحاولات "لا يتم إحباطها على الإطلاق"، مما يفتح باباً واسعاً لتدفق الأسلحة غير المشروعة.
"المعطيات التي وصلت إلى القناة تُبيّن أنه في عام 2020 تم ضبط عدد قليل فقط من الأسلحة النارية المهرّبة إلى إسرائيل، وفي عام 2021 كان الحديث عن عشرات قطع السلاح، بينما ارتفع العدد في عام 2023 إلى نحو 200 قطعة سلاح مضبوطة"
وتُعرّف سنة 2024 في الأوساط الأمنية الإسرائيلية كـ"سنة الذروة" التي بدأت فيها عمليات التهريب الواسعة بواسطة الطائرات المسيرة، حيث تم ضبط أكثر من 300 مسدس مُهرّب خلال تلك السنة وحدها. أما العام الحالي 2026، فقد شهد ضبط أكثر من 100 قطعة سلاح، منها 80 مسدساً وأسلحة طويلة من الأردن، و36 سلاحاً طويلاً من مصر.
غير أن المنظومة الأمنية تؤكد أن هذا الرقم المنخفض نسبياً لا يدل بالضرورة على انخفاض في حجم التهريب الفعلي، بل يعكس "الصعوبة المتزايدة في إحباط هذه العمليات"، مما يعني أن الأرقام الحقيقية للتهريب قد تكون أعلى بكثير مما يتم رصده رسمياً.
قائمة أسعار السوق السوداء
وكشف التقرير أيضاً عن قائمة أسعار مفصلة لعمليات تهريب الأسلحة في القضية التي تم الكشف عنها مؤخراً، مما يلقي الضوء على حجم السوق السوداء وآليات التسعير فيها. فوفقاً للمعطيات، تُقدّر تكلفة نقل 16 مسدساً من نوع "غلوك" بـ35 ألف شيكل، بينما يبلغ سعر نقل مسدسين فقط 40 ألف شيكل.
أما المواد المخدرة، فتبلغ تكلفة تهريب عشرة كيلوغرامات من الحشيش 25 ألف شيكل. وفي قسم الأسلحة طويلة المدى، يُباع نقل بندقيتين من نوع M16 بعشرين ألف شيكل، بينما يصل سعر رشاش "ماغ" إلى 85-90 ألف شيكل، وينخفض إلى 13 ألف شيكل إذا كان الرشاش معطلاً.
كذلك كشفت القائمة عن هوامش ربح كبيرة في تجارة الذخيرة، حيث تم شراء 4,000 طلقة لمدفع رشاش بـ8,000 شيكل وبيعها لاحقاً بـ15,000 شيكل، مما يعكس الجدوى الاقتصادية العالية التي تدفع شبكات التهريب لمواصلة عملياتها رغم المخاطر الأمنية.
تداعيات أمنية وإقليمية
يمثل هذا الاعتراف الإسرائيلي مؤشراً خطيراً على تحديات أمنية متصاعدة تواجهها تل أبيب على حدودها الجنوبية، التي تُعد تقليدياً من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية. فاستخدام الطائرات المسيرة في التهريب يضيف بُعداً تقنياً جديداً يجعل عمليات الرصد والاعتراض أكثر تعقيداً وتكلفة.
ويرى محللون أن استمرار تدفق الأسلحة عبر هذه القنوات قد يؤثر على موازين القوى المحلية في المناطق الحدودية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المستمرة. كما أن قدرة شبكات التهريب على التكيف مع الإجراءات الأمنية وتوظيف تقنيات جديدة مثل الطائرات المسيرة يطرح تساؤلات حول فعالية الاستراتيجيات الحالية لمكافحة هذه الظاهرة.
من جانب آخر، يبرز البعد الإقليمي للظاهرة، حيث أن عبور الطائرات المسيرة من دول مجاورة مثل مصر والأردن قد يفتح باباً للتوترات الدبلوماسية إذا ما طُلب من هذه الدول تعزيز إجراءاتها الحدودية، أو إذا ما وُجهت اتهامات بالتهاون في مراقبة حدودها المشتركة مع إسرائيل.
خلاصة: تحدي أمني يتصاعد
يؤكد الاعتراف الإسرائيلي بعجز الجيش عن إحباط عمليات تهريب الأسلحة عبر الطائرات المسيرة أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التحديات الأمنية، حيث تتفوق تقنيات التهريب على آليات الرصد التقليدية. ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الحماية الحدودية، تبقى الفجوة بين القدرة على الرصد والقدرة على الاعتراض مصدر قلق دائم للأجهزة الأمنية.
المعادلة الآن تتطلب مراجعة شاملة للاستراتيجيات المتبعة، وربما تبني تقنيات أكثر تطوراً في مجال الرصد الجوي والذكاء الاصطناعي لمواكبة أساليب التهريب المتغيرة. وفي غياب حلول جذرية، قد تستمر هذه الظاهرة في التوسع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الأمني ليس في إسرائيل فحسب، بل في المنطقة بأكملها.
المصدر: قناة i24NEWS الإسرائيلية، نقلاً عن تقرير أمني رسمي.