الرؤية المصرية- كتب : عوض سلام:- ليلة 29 نوفمبر 2025، لم تقل بهاء عن 22 نوفمبر2025 ليلة افتتاح الدورة 26 لأبام قرطاج المسرحية، أغلقت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة ستارها، لكن الستار لم يسقط على المسرح نفسه؛ بل ارتفع أعلى، يحمل معه صوت نساء "هاربات"، وأصوات سجناء يصنعون فنّاً خلف القضبان، وذاكرة فنانين رحلوا لكن ضحكاتهم ما زالت تدوي في صدورنا.
بدأ الحفل بالنشيد الوطني، ثم توقف الزمن دقائق ليودّع روحين كوميديتين أحبهما الشعب العربي: نور الدين بن عياد الذي علمنا أن الضحك مقاومة، وبيونة التي جعلت من اللهجة الجزائرية لحناً تونسياً خالصاً في «نسيبتي العزيزة». شاشة كبيرة عرضت وجوههما، وصفق الجمهور طويلاً، كأن التصفيق محاولة لإمساك الروح قبل أن تطير.
ثم جاءت الكلمة الأقوى في الليلة: مدير الدورة محمد منير العرقي يربط بين اليوم العالمي للتضامن مع فلسطين وبين خشبة المسرح، قائلاً بصوت يرتجف صدقه: «المسرح في تونس لن يكون إلا صوتاً للمظلومين، ولن يصمت طالما هناك شعب يُقتل ويُشرَّد».
صمتت القاعة، ثم انفجر التصفيق كرعد.
وفي لحظة نادرة، تسلمت تونس معظم الجوائز الكبرى، ليس انتصاراً قومياً فحسب، بل شهادة على أن المسرح التونسي يعيش أوج نضجه الفني والأخلاقي معاً.
- التانيت الذهبي ذهب إلى «الهاربات» لوفاء الطبوبي،،،،
عمل يحكي عن نساء يهربن من العنف والقيد والصمت، فإذا بهنّ يهربن بالجمهور كله نحو الحرية.
- التانيت الفضي احتضنته «جدار» لسنان العزاوي، جدار يفصل ويجمع، يسجن ويشهد، تماماً كجدراننا الداخلية والخارجية.
- أما التانيت البرونزي فكان ل«جاكارندا» لنزار السعيدي، شجرة أرجوانية تزهر في أرض تونسية ترفض الجفاف.
لكن الدموع الحقيقية سالت في فقرة «مسرح الحرية»....
داخل السجون ومراكز الإصلاح، يصنع السجناء مسرحاً يحررهم قبل أن يحررنا.
«حياة بلا إدمان» من مركز المروج، و«الحاوية» من سجن النساء بمنوبة، و«سد عقل» من برج الرومي؛ أعمال لم تُكتب على ورق فاخر، بل كتبت بدماء الندم والأمل معاً.
صفقنا لهم واقفين، لأننا نعرف أن الحرية الحقيقية تبدأ حين يستطيع الإنسان أن يحكي قصته حتى لو كانت خلف قضبان.
التتويجات التي رافقتها ثلاثة مشاهد مسرحية حيث توج المهرجان في البداية الدكتور محمد مسعود ادريس، ثم قدم بقية المتوجين هم على التوالي ليلى طوبال وعبد الحميد قياس وعزيزة بولبيار، شخصية من الشخصيات المسرحية التي تقمصوها على خشبة المسرح في مسيراتهم المسرحية.
المتوجون بالجوائز
- لجنة التحكيم الخاصة بالمسابقة الرسمية المكونة من المسرحيين لسعد بن عبد الله رئيسا من تونس وسعداء الدعاس من الكويت ومالك العقون من الجزائر وأبدون فورتونيه من الكونغو وثامر العربيد من سوريا كأعضاء وعماد المي من تونس كمقرر.
- جائزة أفضل أداء رجالي أسندت إلى الممثل المصري أحمد أبوزيد عن دوره في مسىرحية "سقوط حر".
- جائزة أفضل أداء نسائي آلت إلى الممثلة لبنى نعمان عن دورها في مسرحية "الهاربات".
- جائزة أفضل سينوغرافيا أسندت لمسرحية "جدار".
- جائزة التانيت البرونزي آلت لمسرحية "جاكارندا" إخراج نزار السعيدي (تونس) .
- جائزة التانيت الفضي أسندت لمسرحية "جدار" إخراج سنان العزاوي.
- جائزة التانيت الذهبي آلت لمسرحية "الهاربات" إخراج .وفاء الطبوبي
جائزة مسرح الحرية لنوادي المؤسسات السجنية :
- الجائزة الكبرى:السجن المدني برج الرومي - سد عقل إخراج وحدة المودعين.
- الجائزة الثانية: سجن النساء بمنوبة - الحاوية إخراج رباب البوزيدي
- الجائزة الثالثة: السجن المدني الناظور - مولى الباش إخراج حمزة
جائزة مسرح الحرية لمراكز الإصلاح :
- الجائزة الكبرى: مركز إصلاح الأطفال الجانحين المروج - حياة بلا إدمان إخراج خالد العمدوني وسيف الدين الوسلاتي
- الجائزة الثانية: مركز إصلاح الأطفال الجانحين سوق الجديد - ولاد عروش إخراج محمود الغابي
- الجائزة الثالثة: مركز إصلاح الأطفال الجانحين سيدي الهاني - جلسة سرية إخراج خلود المثناني
اما جائزة نجيبة الحمروني لحرية التعبير التي تسندها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين فآلت إلى مسرحية زنوس لصالح حمودة ونوهت لجنة تحكيم هذه الجائزة بمسرحية ميتامورفوز لقيس بولعراس.
اختتمت الليلة بجائزة نجيبة الحمروني لحرية التعبير التي ذهبت إلى «زنوس» لصالح حمودة، في تتويج يحمل اسم امرأة قاتلت بالكلمة حتى آخر نفس. وكأن المسرح يقول لنا: كل من يكتب أو يمثل أو يضحك أو يبكي على خشبة هو امتداد لنضالها.
غادرنا مسرح الأوبرا والليل التونسي يعانقنا، نحمل في جيوبنا شيئاً أثقل من الجوائز: يقين أن المسرح العربي ما زال قادراً على أن يكون صوت الذين لا صوت لهم، وأن تونس، مهد قرطاج، لا تزال تحتضن الفن الرابع كما احتضنت الحضارات: بقلب مفتوح وجرح لا يندمل.
المسرح لم ينتهِ مساء السبت.
المسرح بدأ للتو.