الرؤية المصرية:- القاهرة – في قراءة جريئة لتاريخ مصر الحديث، يرى الدكتور وسيم السيسي أن حكم جمال عبد الناصر، رغم الكاريزما الجارفة والشعبية الطاغية، ألحق بمصر أضرارًا استراتيجية واجتماعية تفوق كثيرًا ما قدمه من إنجازات.
استلم عبد الناصر دولة اسمها «مصر والسودان»، وتركها من دون السودان ومن دون سيناء، ثم غيّر اسمها إلى «جمهورية مصر العربية» ليصبح زعيمًا للأمة العربية، في تحول أدى إلى خسائر جيوسياسية متتالية.
بدأت المشكلات الكبرى مع قرار التأميم لقناة السويس عام 1956، قبل ثلاثة عشر عامًا فقط من انتهاء الامتياز الدولي.
أثار القرار العدوان الثلاثي، وأدى إلى احتلال سيناء مؤقتًا، ثم بقيت شبه الجزيرة خارج السيادة المصرية حتى عام 1975.
ويضيف السيسي أن السياسة ذاتها مهدت الطريق لحرب 1967؛ فإغلاق خليج العقبة، الذي جاء بعد سلسلة تصريحات عربية متسارعة، أشعل فتيل الصراع الذي انتهى بخسارة سيناء مرة أخرى، ودفع مصر إلى حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973.
على المستوى الداخلي، يلفت الدكتور السيسي إلى الضرر الاجتماعي الذي خلّفته سياسات الإصلاح الزراعي. فقد حولت قوانين الإيجار الجديدة علاقة المالك بالمستأجر إلى صراع مستمر، وأدت إلى تدهور سوق الإسكان الذي كان يومًا ما يتيح للمواطن العادي شقة بإيجار زهيد.
كما أن إقامة جامعة أسيوط على خمسة آلاف فدان من أجود الأراضي الزراعية، وجامعة الأزهر على 1500 فدان أخرى، بدلاً من بنائها في الصحراء، مثل نموذجًا لتفتيت الرقعة الزراعية التي كانت تُغذي القاهرة بالفواكه والخضروات.
ويستذكر السيسي موقفًا تاريخيًا يُبرز الفرق في الحكمة: عندما طلب «لورد أمبان» من الحاكم الإنجليزي بناء «مصر الجديدة» على الأراضي الزراعية في إمبابة والكيت كات، رفض الإنجليزي ووجهه نحو الصحراء، بل وأحضر شركة بلجيكية للمترو لتسهيل الوصول.
في المقابل، يرى السيسي أن عبد الناصر، رغم قوته وشعبيته، سلك طريقًا وجدانيًا أقرب إلى «التمدد العاطفي» الذي اتبعه محمد علي باشا جغرافيًا، لكنه انتهى بخسارة الوحدة الوطنية والأرض.
الخلاصة التي يطرحها الدكتور وسيم السيسي بصراحة قاسية: لو كانت الحكمة حاضرة إلى جانب الكاريزما، لكانت مصر اليوم من بين أقوى ثلاث دول على سطح الكرة الأرضية.
لكن التركيز على الزعامة العربية على حساب المصالح المصرية الخالصة حوّل «العدو العاقل» – كما يقول المثل المصري الشهير – إلى خيار أفضل من «الحبيب العبيط» الذي أضاع السودان وسيناء والنسيج الاجتماعي في آن واحد.