ماذا لو لم تكن الأشياء كما هي؟
إنها دعوة صريحة لخلخلة البديهيات التي نعيش في كنفها حتى باتت كالهواء الذي نتنفسه، لا نشعر به إلا حين يغيب.
في هذه السلسلة من المقالات، سنخوض هذه اللعبة الفكرية الخطرة والممتعة في آنٍ واحد.
سنبحر إلى عوالم معكوسة، حيث الثوابت التي نعرفها لم تعد موجودة، لنرى كيف كان سيتشكل وجودنا، وكيف أن غيابها قد يكشف لنا عن قيمتها الحقيقية.
رحلتنا الأولى تبدأ من منعطف حاد في التاريخ، من حدثٍ لم يقع، لكن تخيُّل وقوعه يفتح أبوابًا واسعة للتأمل في الإيمان والهوية والسرديات التي تشكل وعينا.
سؤالنا هو: ماذا لو أن "أبا لهب"، عم النبي محمد وأحد أشد أعدائه، قد أسلم؟ ---
تاريخ لم يُكتب: إسلام "العدو الأول"
شخصية أبي لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، ليست مجرد شخصية تاريخية، بل هي نموذج أصلي ورمز للعداء المطلق للدعوة الإسلامية في مهدها.
لقد خُلِّد عداؤه في القرآن الكريم في سورة كاملة (سورة المسد)، ليصبح بذلك "العدو النموذجي" الذي تُروى قصته للأجيال كعبرة.
كان أبو لهب يمشي خلف النبي في الأسواق والمواسم، مكذّبًا دعوته على الملأ، ومستخدماً نفوذه وقرابته لصد الناس عنه.
لكن، ماذا لو أن هذا العداء الشديد قد تحول إلى إيمان راسخ؟
ماذا لو أن أبا لهب، بدلاً من أن يقول "تبًا لك"، قد قال "أشهد أن لا إله إلا الله"؟
إن هذا التحول الافتراضي لا يغير حدثًا تاريخيًا فحسب، بل يهدم ركنًا أساسيًا في "السردية التأسيسية" للإسلام.
فالسرديات الكبرى، سواء كانت دينية أو وطنية، لا تُبنى على الأبطال فقط، بل تُبنى أيضًا على أعدائها.
إن وجود "الآخر" المعادي يساعد في تحديد هوية "الأنا" وتماسكها.
فكما أن النور لا يُعرف إلا في مواجهة الظلام، فإن الإيمان يكتسب الكثير من معناه في مواجهة الكفر والتحدي.
فلسفة "الآخر" الضروري في الفلسفة، يُعتبر مفهوم "الآخر" أساسيًا لتعريف الذات.
يرى فلاسفة مثل هيغل أن وعي الذات بنفسها لا يكتمل إلا من خلال الاعتراف بها من قبل "آخر".
هذا "الآخر" قد يكون صديقًا، ولكنه غالبًا ما يكون خصمًا.
الصراع مع الخصم هو ما يدفع الذات (فردًا كانت أم جماعة) إلى إثبات وجودها وتحديد مبادئها وتطوير قوتها.
لو أسلم أبو لهب، لكانت السردية الإسلامية قد فقدت "شريرها" الأوضح والأقرب.
فهل كان سيظهر "أبو لهب" آخر ليملأ هذا الفراغ؟
أم أن غياب هذا العدو الصريح كان سيغير من طبيعة الدعوة نفسها؟
ربما كانت ستصبح أقل صدامية وأكثر استيعابًا منذ البداية، وربما كان غياب هذا التحدي المبكر سيجعل تماسك الجماعة المؤمنة الأولى أقل صلابة.
إن التاريخ، كما يراه هيغل، ليس مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية، بل هو مسار عقلي منطقي يتطور من خلال الصراع بين الأفكار المتضادة.
وجود نقيض (Antithesis) مثل عداء أبي لهب كان ضروريًا لولادة وتركيب (Synthesis) جديد، وهو مجتمع إسلامي صلب الهوية.
خاتمة مؤقتة: قيمة العدو
إن التفكير في إسلام أبي لهب لا يهدف للتشكيك في التاريخ، بل للكشف عن وظيفة "العدو" في بناء الهوية.
السرديات التي نعيش بها تحتاج إلى أبطال وأشرار، إلى قصص نجاح وقصص فشل، لتكتمل صورتها وتترسخ في الوعي الجمعي.
لقد قدم أبو لهب، بعدائه، خدمة غير مقصودة للسردية التي حاربها؛ لقد منحها عدوًا واضحًا، وبالتالي، منحها فرصة لتحديد نفسها بوضوح أكبر.
وهذا يقودنا إلى سؤال أوسع: هل يمكن لأي هوية، سواء كانت دينية، وطنية، أو حتى شخصية، أن تتشكل وتكتمل دون وجود "آخر" يعارضها ويتحدّاها؟
هذا ما سنستكشفه في تأملاتنا القادمة...