في إطار احتفاء مركز B7L9 بالذاكرة النقدية وفكّ أرشيفات الهيمنة الثقافية، يُعيد لطيّف قراءة اللحظات الأولى للتسجيل الصوتي في شمال إفريقيا، تلك الممارسة التي تشكّلت في مطلع القرن العشرين ضمن سياقات استعمارية.
ولا يقتصر المشروع على عرض التسجيلات القديمة، بل يحوّلها إلى سرحية مضادة تتساءل: ماذا لو أمكن اليوم إعادة الالتقاء بهذه الأصوات، لا كموضوعات معرفية جاهزة، بل كشذرات حيّة لذكريات متمددة؟
ويعود جزء أساسي من الأرشيف المُستكشَف إلى تسجيلات أنجزتها اللجان الفونوغرافية الألمانية-البروسية بين 1915 و1918 داخل معسكرات اعتقال أسرى الحرب من المستعمرات.
ومن بين أبرزها، تسجيل صادق بن رشيد الحاج يوسف، الفلاح والشاعر من مدينة المنستير، الذي سُجّل صوته في معسكر "Halbmond" جنوب برلين قرابة الواحدة صباحاً في مايو 1916.
يجمع هذا التسجيل بين الممارسة العلمية والأنشطة العسكرية، ويُقدَّم اليوم كشاهد على لحظة تأسيسية ملتبسة.
معرض بوسائط متعددة وأرشيفات مضادة
يُقدّم المعرض، للمرة الأولى، مجموعة من الأرشيفات غير المنشورة، تضم جذابات تعريفية، رسائل، ووثائق تمتد على عدّة عقود، إلى جانب رسوم بيانية مفاهيمية مطبوعة على القماش.
ويتجلى المشروع في شكل تركيب فيديو متعدد القنوات، تركيب خزفي، وأرشيفات صوتية "مُضادّة"، إضافة إلى عروض حيّة (live performance).
كما يتضمن العرض الفني عملاً مشتركاً بعنوان "Visitations" على هيئة كتاب من فصلين، نابعاً من أرشيفات محفوظة في برلين، بينها أرشيف Lautarchiv ومحفوظات متحف برلين الإثنولوجي.
وينظّم الفنان على هامش المعرض سلسلة حوارات أيام الأربعاء، يستضيف خلالها باحثين ومختصين لمناقشة قضايا الأرشيفات الصوتية والبصرية والموسيقية.
الفنان كباحث: إعادة الأصوات إلى راهنيتها
محمد علي لطيّف، خريج المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، ومؤسس مجموعة "أهل الكهف" (2011) التي أطلقت "إذاعة أهل الكهف"، لا ينخرط في هذا المشروع بصفته باحثاً يسعى إلى استعادة تاريخ مفقود، بل كفنان يعيد هذه الأرشيفات إلى راهنيتها.
وهو اليوم باحث في "الاستراتيجيات المكانية" بأكاديمية فايسنزي للفنون في برلين، ويساهم بانتظام بمقالات في الفن والنظرية النقدية.
ويرافق المعرض كتيّب (booklet) يضم نصوصاً لكل من أنس غراب، منير هناتي، نعيمة حسن، وهيكل حزقي، ليكون عملاً قائماً بذاته يوسّع آفاق التفكير في مسألة الأرشيف.
إعادة تعريف الأرشيف في زمن الاستعمار
يكشف المشروع عن لحظة فاصلة في تاريخ العلوم الاجتماعية، حيث ساهم مشروع "Weltarchiv" (الأرشيف العالمي) في ترسيخ انقسام ضمني: من جهة، علم اجتماع للمجتمعات الغربية "الحديثة والعقلانية"، ومن جهة أخرى، إثنولوجيا تدرس مجتمعات مستعمَرة توصف بأنها تقليدية، انفعالية، خارج مسار التاريخ.
وتكمن قوة المشروع في أنه يعيد توظيف تسجيلات أنتجت في سياق استعماري لتصبح دعامة لعملية تحررية عميقة، تفتح الذاكرة الموسيقية والاجتماعية والفنية، وتُعيد إلى الحاضر جزءاً من تاريخنا الصوتي المنسي ظلماً.